دولة القلال في فراكسينتوم .. أعجب دولة إسلامية غربية !

كان البحر المتوسط بحراً إسلاميّاً خالصاً منذ فَتْح إفريقية وإمتداد الإسلام إلى الأندلس ، حيث كان نشاط البحَّارة الأندلسيِّين والمغارِبة ومِن بعدهم الأتراك يمثِّل رعباً لكامل أوروبا ، التي لم تجد مناصاً من عقد الهُدْنات ودَفْع جزيةٍ سنويَّة لأمراء البحار لكفِّ أذاهم عن موانئ المدُن الأوروبية

.

( نشأة إمارة فراكسينتوم الإسلامية ) :

وتورِد المصادِر التاريخية خطّاً متصلاً من غارات البحَّارة المسلمين السريعة الخاطفة ، تتَّسم بالجرأة والبَسالة التي عُرفَت عن المسلمين في عصرهم الذَّهبي ، غير أنَّ أجرأ هذه الهجمات وأكثرها غرابة وإِثارة للإعجاب والدَّهشة ، هي ( دولة القلال ) أو ( إمارة فراكسينتوم ) التي أسَّسها مجموعة من البحَّارة الأندلسيِّين والمغارِبة في قَلب أوروبا ذاتِها ، والتي وُصفَت بأنَّها ( أعجب دولةٍ إسلاميَّة غربيَّة مقحمة في صَمْد بلاد النصرانية ) ، قُدِّر لها أن تظلَّ عشرات السنين دون أن يستطيع ملوكُ أوروبا القضاءَ عليها

.

وتُعرف هذه الدولة أو الإمارة بـ ( إمارة فراكسينتوم ) ، وهو مقرُّها في فرنسا ، أو دولة ( جبل القلال ) في المصادر العربية ، حيث يورد الأستاذ محمود شاكر السوري صاحب ( التاريخ الإسلامي ) في وصفها ما يلي : ( دولة أسَّسها المسلمون شمال مارسيليا ، وامتدَّت من ساحل البحر الأبيض المتوسط جنوباً حتى سويسرا شمالاً ، وقد ضمَّت شمال إيطاليا وجنوب شرق فرنسا وأجزاءً من سويسرا ، ودامت أيامُها من عام [ 277هـ / 890م ] وحتى [ 365هـ / 975م ] )

.

وتورِد المصادر الغربيَّة قصَّتهم بأنهم مجموعة من البحَّارة الأندلسيِّين ، وكانت المصادر الغربية تصفهم دوماً بأنهم ( قراصنة ) ، قد اعتادوا على الإغارة على سواحل فرنسا ومصبِّ نهر الرون ، حيث تورد حوليات سان برتان ( Annales de saint Bertin ) مجموعةً من غارات الأندلسيين الخاطفة في أعوام 842م ، و 850م ، و 869م

.

ثم في عام ( 278هـ / 891م ) كما يذكر ( بروفنسال ) تمكَّنَ مجموعةٌ منهم [ وكانوا نحو عشرين رجلاً ] من الوصول إلى خليج ( سان تروبيز / Saint Tropez ) على شاطئ بروفانس ، وتحصَّنوا في جبل ( فراكسينتوم ) وهو الموضع المعروف اليوم بأسم ( جارد فرينيه / Garde Frienet ) ، ثمَّ مضوا يفتحون القُرى ويغِيرون عليها في نواحي ( كونتية / Frejus ) ، ثمَّ أوغَلوا في منطقة ( مرسيليا ) وخربوا كنيسةَ ( سان فيكتور / Saint Victor ) الشهيرة ، ثمَّ صعدوا مع نهر ( الرون ) ونشروا الرُّعبَ في مقاطعتَي ( فالنتان / Valentin ) و ( فين / Vienne )

.

وتعدُّ هذه من المحاولات الكامِلة للمسلمين في غزو جنوب فرنسا ، بشكل مثير ، ولم يمض وقت طويل حتى كان ( البروفانس ) كله بيد المسلمين

.

( دولة فراكسينتوم أو القلال الإسلامية ) :

وذكر المؤرخون الأوروبيون أن العشرين رجلاً المذكورين ، لما رأوا ما أصابوا من الغنائم في غزوهم في تلك البقاع ، أرسلوا إلى الأندلس ، فوافاهم مائة رجل آخرون من نفس نمطهم في الشجاعة والإقدام ، فاشتدت وطأتهم على تلك البلاد ، وصالوا في جميع جهاتها ، يُثْخِنون في أهلها ، ويضربون عليهم الجِزْيَة ، وساعدهم على ذلك ما كان فيه أهل تلك الأنحاء من اختلاف الكلمة ، وتَفَرُّق الأهواء

.

وكان بعض حكام تلك البلاد يستعين بهم على بعض ، وصاروا يُنصَرون بالرعب ، وأصبح الفرد الواحد منهم لا يُبالي أن يُلاقي ألفاً ، فما مضت بضع سنوات ، حتى صار لهم عدد من الأبراج ، والقلاع ، أهمها في الجبال المُسَمَّاة فراكسينتوم ، أو فراكسين توم ، أو فراكسينه

.

ويذكر الأمير شكيب أرسلان في مؤلَّفه [ تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط ] : ( فلم يطأ هؤلاء القرصان تلكَ الأرض حتى أرسلوا إلى إسبانيا وإفريقية ، يطلبون من إخوانهم الانضمام إليهم ، وبدؤوا هم بالعمل في مكانهم ، فما مضَت عدَّة سنوات حتى امتلأت تلك الأرض بالحصونِ والمعاقل ، وكان أهم تلك الحصون المسمَّى [ فركسيناتوم Fraxinetum ] الذي يشتق مِن اسم شجر الدردار الكثير في تلك الجهات ..

.

.. والمظنون أن فركسيناتوم كانت في القريةِ الحاضرة التي يقال لها [ غارد فرينه / Garde Frainet ] الواقعة في ذَيل الجبل إلى جهة الألب ، وممَّا لا جدال فيه أنَّ مركز هذه القرية كان في غاية الأهمية ، لأنها الطريق الوحيد من الخليجِ إلى الشَّمال ، وإلى الآن يجد الناس في أعلى الجبل آثارَ خرابٍ وبقايا عمران : جدراناً متهدِّمة ، وبنياناً منحوتاً في الصخر ، وبئراً منحوتة في الصخر أيضاً )

.

وقد وصل الرُّعبُ من هؤلاء البحَّارة إلى أنَّ أمراء تِلك المناطق كانوا يدفعون لهم الجزيةَ لصدِّهم عن بلدانهم ، وبعضهم كان يستعين بهم على إخوانه من الأمراء الآخرين ، وبلغ من شجاعة هؤلاء الفرسان أنَّ الواحد منهم صار لا يبالِي بأن يلاقي ألفاً من عوامِّ النصارى لملكَةِ الرعب منهم في قلوبهم ، ويروي الأميرُ ( شكيب أرسلان ) بأنَّ من جملة الأدلة على سطوتهم : ( أنَّه وجدت في قبر القديسة مادلينه في فيزلاي من بورغونية كتابة تفيد أنَّ جسد القدِّيسة نُقِل من مدينة إكس في بروفنس إلى هناك ، خوفاً من العرب ! )

.

وفي سنة ( 298هـ / 911م ) كان رئيس أساقفة أربونة يريد السَّفر إلى روما لأمرٍ مهمٍّ مستعجل ، فلم يقدر على السَّفر خوفاً من أمراء فراكسينتوم ، وكانوا لا يسمحون لأحد أن يمرَّ دون أن يأخذوا منه رسماً معلوماً

.

وفي القرن العاشر الميلادي امتدَّ نشاطهم حتى سفوح جبالِ الألب ، وملكوا نواصِي الجبال والممرَّات على طول طريق الحُجَّاج إلى روما ، وكانوا يقطعون طريقَ الحُجَّاج الإنجليز والفرنسيين والألمان إلى روما

.

وكثرَت غاراتهم في ناحيتَي ( أمبرن / Embrundan ) و ( يفودان / Graisivan ) ، بل توغَّلوا في الوديان الإيطالية دونما رادِع ، حيث خربوا دير أولكس ، ثمَّ توغَّلوا في ( بيدمونت ) حتى ( أكي / Acqui ) و ( أستي / Asti ) ، وقد حاولَت حملةٌ يؤيِّدها أسطولٌ بيزنطي القضاءَ على خطرهم دون جدوى عام ( 319هـ / 931م )

.

( المسلمون في قلب سويسرا ) :

وفي سنة ( 321هـ / 933م ) كان نفوذهم قد صار خطيراً ومتعاظماً ، وكوَّنوا ميليشيات قتاليَّة تُغِير على ما حولهم من مدنٍ أوروبية ، ثمَّ يعودون للإعتصام في مركزهم في ( فراكسينتوم ) ، وفي سنة ( 327هـ / 939م ) توغَّلَت جماعاتُ المسلمين من فراكسينتوم في جبال الألب حتى وصلوا إلى ( سان جالن / St. Gallen ) في سويسرا الحاليَّة ، ونهبوا كنيستها ، وتعدُّ هذه هي أول مرَّة تصل فيها طائفة من المسلمين سويسرا ويقومون بفتح إحدى مدنها

.

وتروي المصادِرُ أنَّه [ لما تقدَّموا إلى بلاد الجورة في سويسرا ، وكانت سويسرا حينئذٍ من مملكة بورغنية أو برغندية ] فَرَّت منهم أمُّ الملك كوبراد إلى برج مُنْفرِد في نيوشاتل ، وهي إحدى ولايات سويسرا اليوم

.

وقد وَظَّفَت تلك الطائفة سيطرتها على مَعابر جبال الألب في الانسياح في كل البلاد الواقعة حول تلك السلاسل الجبلية ، فكثرت غزواتهم في فرنسا ، وإيطاليا ، وسويسرا ، بل وصلوا إلى جنوب ألمانيا ، فقد بلغوا بحيرة كونستانز الشهيرة من جنوبي ألمانيا ، وتثبت الوثائق كذلك وصولهم إلى وادي الراين ، حتى وصفهم المؤرخ إيكيهارد [ من رُهْبان دِيْر القديس غالن ] بأنهم تمكنوا تماماً في داخل جنوبي أوروبا

.

( آثار إسلامية هامة ) :

وقد ترك أولئك الرجال المسلمين من آثار تدل على إمكانات ليست بالهَيِّنة ، وطاقات بَنَّاءة لا تتيسر لكل أحد ، حتى أَدْهَشوا الأوروبيين بما كان لهم من قُدرة بالغة على البناء ، وتشييد الأبراج ، وتحصينها ، وإحكام أقفالها ، وقد تركوا آثاراً بديعة مُدهشة ، ولا تزال في إيطاليا ، وغربي سويسرا جُدران كثيرة مَبنية بالحجارة الكبرى من بنائهم ، وفي كل بناء تركوه ظهر أنهم أهل هندسة ، وقوة حِيْلة يُعْجَب بها كل من تأملها ، فتركوا بهذه الآثار ذكراً عظيماً بين الأهالي

.

ولا تزال من بقايا آثارهم فيها أبنية ماثلة ، وبيوت منحوتة في الجبال ، وآبار محفورة في الصخور ، فضلًا عما عُرِف عن بعضهم أثناء إقامتهم في تلك البقاع من الزواج من بنات أهل البلاد ، وتعاطي الفلاحة ، وغيرها من مَظاهٍر التَّوَطُّن والاستقرار

.

( وَفْرَة المصادر الأوروبية ونُدْرَة المصادر العربية الإسلامية ) :

وبالرغم من تواطؤ المؤرخين الأوروبيين على الحديث عن ذلك الوجود الإسلامي لتلك العُصْبة في المنطقة المذكورة ، إلا أن تناول المصادر العربية القديمة لها يكاد يكون معدوماً ، بل هو كذلك ، ولا يُسْتَثْنى منها سوى ما ذكره الإصطخري في المسالك والممالك ، قال الاصطخري : ( وأما جبل القلال فإنه كان جبلاً فيه مياه خَرَّارة ، فوقع إليه قوم من المسلمين ، فعَمَروه ، وصاروا في وجوه الإفرنجة ، لا يُقْدَر عليهم ، لامتناع مواضعهم ، ومقداره في الطول يومان )

.

( نهاية إمارة فراكسينتوم الإسلامية ) :

ويورد المؤرِّخون أنَّه كانت هناك محاولات جادَّة لإخراج العرب من منطقةِ جبال الألب بأيِّ طريقةٍ لتزايد خطرهم ، ومنها سفارات متبادلة بين الإمبراطور الألماني أوتو الكبير والخليفةِ الأموي بالأندلس عبد الرحمن الناصر لوضع حَدٍّ لمحاولات مُجاهِدي فراكسينتوم فتحَ جنوب فرنسا وغرب إيطاليا ، وأنَّ تلك السفارات قد فشلَت في تحقيق غايتها ، لما صَرَّح به عبدالرحمن النَّاصر لسُفَراء أوتو من كون البحَّارة المذكورين لا علاقة لهم بالخِلافة الأموية في الأندلس ، وغير داخلين تحت سلطانها ، ولا فعلوا ما فعلوه بإذنٍ منها أو تنسيقٍ معها ، وهو الأمر الذي لم يَطْمَئن إليه بعض مؤرِّخي النَّصارى في تلك الفترة ، إذ كانوا يشعرون بوجودِ علاقة خَفِيَّة بين الناصر وبين أولئك البَحَّارة المُغامِرين

.

وأمام هذه الإنتصارات المتتالية أخذت صيحات السخط والاستنكار تتعالى ضد المسلمين من النصارى ، فقامت عده محاولات لإسقاطها ، حيث توجَّهَت نحوهم حملةٌ عظيمة بقيادة ( هوجو ) ملك إيطاليا و ( رومانوس ) إمبراطور بيزنطة ، ولكن لم تستطِع طردهم من فراكسينتوم ، ثم كانت دعوت الإمبراطور ( أوتو الأول ) إمبراطور ألمانيا عام ( 362هـ / 972م ) لحرب المسلمين المتحصنين في حصن فراكسينيتوم بمباركة البابا يوحنا الثاني عشر

.

إلا أن تلك المحاولات لم تؤتي ثمارها ، وإن كانت قد ساعدت في أضعافها ، وفتحت الطريق لسقوطها على يد مسيحي البروفانس بقيادة ( وليام كونت بروفانس ) ، بعد معركة عنيفة دارت في نواحي بلدة ( دراجنجمان ) في مكان يقال له ( تور تور ) في عام ( 365هـ / 975م )

.

لتنتهي آخرُ فصول أقوى محاولة جريئة للتوسُّع داخل عُمق أوروبا بواسطة مجموعةٍ قتاليَّة صغيرة من المسلمين المغارِبة وأهل الأندلس !

.

يذكر د.حسين مؤنس في كتابه ( تاريخ المسلمين في البحر المتوسط ) ذاكراً تلك الأيام الخالدة في تاريخ المسلمين : ( .. هذه هي قصَّة أولئك المغامرين الأندلسيِّين ، الذين قاموا بأجرأ محاولةٍ قام بها المسلمون على شواطئ جنوب أوروبا الغربيَّة على طول التاريخ ، وقد أسهَبْنا في ذِكرها لأنها تدلُّ على قوَّة أولئك الغزاة البحريِّين ، ومقدار ما كانوا يستطيعون إنزاله من الأَذى ببلاد أوروبا النصرانيَّة )

.

.

المصادر :

(1) المسالك والممالك – لـ الاصطخري – الناشر : دار صادر – بيروت – عام النشر : 2004م

(2) أوديسية فراكسينتوم .. يوم وصل المسلمون سويسرا – لـ محمود ثروت أبو الفضل – شبكة الألوكة

(3) موقع قصة الإسلام – بإشراف الدكتور : راغب السرجاني

.

فضلاً .. شاركنا بـ برأيك وأدعمنا بـ ( منشن + لايك ) لتعم الفائدة 🌸

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s